توقّفوا عن التساؤل عمّا إذا كانت إثيوبيا قادرة على مهاجمة إريتريا… واسألوا لماذا تعتقد إثيوبيا أنها مخوّلة بذلك

يستمر المعلّقون الإثيوبيون في النقاش حول ما إذا كانت إثيوبيا قادرة على تهديد إريتريا، متجاهلين حقيقة أن إثيوبيا لا تمتلك أي حق قانوني أو أخلاقي يسمح لها بالتعامل مع سيادة إريتريا وكأنها مسألة قابلة للنقاش.
أعاد لقاءٌ حديث انتشر في وسائل الإعلام الإثيوبية بين جوهر محمد وتسدالِ لِمّا فتح جرح قديم في نقاشات القرن الإفريقي. ليس بسبب محتواه فحسب، بل بسبب الافتراض الذي بُني عليه. فقد جرى الحديث عن إريتريا مرة أخرى ليس كدولة ذات سيادة وإرادة مستقلة، بل كأرض تُسقط عليها الطبقة السياسية الإثيوبية مخاوفها وطموحاتها.
كان السؤال المركزي في النقاش ليس:
“هل تملك إثيوبيا الحقّ في تهديد إريتريا؟”
بل كان:
“هل تملك إثيوبيا القدرة على شنّ الحرب؟”
وهذا هو جوهر المشكلة.
إنه يكشف إلى أي مدى لا تزال إريتريا محفورة في الخيال السياسي الإثيوبي ليس كدولة مساوية لإثيوبيا، بل كفصل غير مكتمل من قصة إثيوبيا الداخلية. فإثيوبيا تناقش قوتها بدلًا من شرعيتها. وتحسب كلفة الحرب بدلًا من النظر إلى القانون والأخلاق التي تحرّمها. وحتى اللغة التحليلية المستخدمة من قِبل النخبة الإثيوبية تخون هذا المنظور: حيث تتحول إريتريا إلى “عقبة” وليست “أمة”.
وليس هذا غفلة فكرية، بل ميراث سياسي يدركه الإريتريون جيدًا. وكما يقول مثل إفريقي:
“عندما يدخل رجل يحمل النار إلى فناء بيتك، لا تسأله عن قوته… بل اسأله لماذا يحمل النار.”
لكن إثيوبيا لا تزال تناقش قوة النار بدلًا من سؤال سبب إشعالها.

إريتريا كمرآة إثيوبية… لا كجار مستقل
خلال المقابلة، وبغض النظر عن الموضوع — سواء كان الإرهاق من الحرب أو الانهيار الاقتصادي أو التراجع الدبلوماسي — جرى التعامل مع إريتريا كجزء من “معادلة إثيوبيا الداخلية”. وهذا عادةٌ قديمة لدى النخبة الإثيوبية. فإريتريا تصبح مرآة تقيس بها إثيوبيا أزماتها وانهيارها وهويتها الممزقة.
وكان هذا واضحًا جدًا في نقاش البحر الأحمر.
فبدلًا من التعامل مع الساحل الإريتري حدودًا دولية راسخة، تناوله المتحدثان وكأنه مورد استراتيجي يتحدد “مصيره” وفقًا لوضع إثيوبيا ومزاجها.
وكانت ذروة ذلك تصريح جوهر محمد بأن “البحر الأحمر يخصّ العفر”.
قيلت ببساطة، وكأنها توضيح، لكنها في الواقع طعنة سياسية.
فقد أعادت صياغة الساحل الوطني الإريتري كـ”مساحة إثنية” بدلًا من كونه سيادة دولة.
وهذه حيلة إثيوبية قديمة:

عندما يتعلق الأمر بوحدة إثيوبيا، تصبح الأرض مقدسة وغير قابلة للتجزئة.
وعندما يتعلق الأمر بوحدة إريتريا، تتحول الأرض إلى “فسيفساء إثنية” يمكن لأيٍّ كان تفسيرها.
ولو كان جوهر صادقًا في منطقه الإثني، لكان عليه أن يقول:
أديس أبابا ملك للأورومو فقط.
غامبيلا ملك للأنواك والنuer.
بنيشنقول ملك للقمز.
وينبغي إعادة رسم نصف الخريطة الإثيوبية.
لكن عندما يتحدث عن إثيوبيا يتصرف كحارس للوحدة الوطنية.
وحين يتحدث عن إريتريا يتحول إلى “أنثروبولوجي إثني”.
وهذا ليس عمقًا فكريًا… بل انتهازية سياسية.
وكما يحذر مثل إفريقي آخر:
“قد يتحاور الضبع مع الراعي، لكن تفكيره يظلّ منصبًا على القطيع.”
والإريتريون يعرفون هذا instinct جيدًا… فقد عاشوه مرارًا.
خطورة تطبيع الأسئلة غير الشرعية
المشكلة في مثل هذه النقاشات أنها تطبّع فكرة خاطئة من الأساس:
وهي أن إثيوبيا “مخوّلة” بالتساؤل حول سيادة إريتريا.
فتصبح الأسئلة:
“هل يمكن لإثيوبيا أن تفعل؟”
بدلًا من:
“هل يحق لإثيوبيا أن تفعل؟” أو “هل يجب؟”
وهذا ليس نقاشًا بريئًا.
فالإريتريون عاشوا هذا التسلسل قبلًا:
تمّ ضمّهم بدون استفتاء.
تمّ ابتلاعهم ثم احتلالهم عسكريًا.
تمّ محو هويتهم الثقافية.
ووصلوا إلى حرب وجودية.
وكل مرحلة من تلك المآسي بدأت بـ”حوار مهذّب” عن:
“الهوية المشتركة”… “الروابط التاريخية”… “المنطق الإقليمي”.
بالنسبة للإريتريين، هذا ليس نقاشًا أكاديميًا — بل جرس إنذار.

حديث الحرب… عرضٌ لمرض داخلي إثيوبي
المفارقة أنّ إثيوبيا حين تتحدث عن البحر الأحمر لا تعرض قوتها… بل انهيارها.
اقتصاد ينهار بالتضخم والديون والفساد.
اتحاد فيدرالي يتقاتل داخليًا.
جيش مرهق ومنهك.
شعب مستنزف.
دبلوماسية بلا بوصلة.
هذه ليست دولة تستعد للنصر… بل دولة تغرق وتبحث عن قشة تتعلق بها.
وإريتريا تصبح تلك “القشة الرمزية” التي تحاول إثيوبيا من خلالها إيجاد معنى جديد لهويتها وأزمتها.
لكن كما يقول مثل إفريقي:
“الرجل الذي لا يستطيع إصلاح كوخه… يحاول حكم القرية.”
وإريتريا لا يجب أن تكون هدف هذا الهروب إلى الخارج.
ساحل إريتريا تكليف وطني… لا تفصيل إثني
يجب التأكيد—بهدوء وثقة:
الساحل الإريتري إريتري.
ليس لأنه يسكنه العفر.
ولا لأنه يسكنه الناطقون بالتغرينية.
ولا لأنه يتبعه أيُّ مكوّن إثني.
بل لأنه ساحل دولة تشكّلت بنضال جماعي، وتضحيات جماعية، وهوية وطنية جامعة.
السيادة ليست ملكًا لقبيلة… بل للأمة بأكملها.
وهذه هي النقطة التي لا يفهمها بعض النخب الإثيوبية:
إريتريا ليست تجميعًا هشًا لقبائل.
هي دولة صلبة بُنيت عمدًا ودُفعت دماء لحمايتها.
إثيوبيا لن تتعافى حتى تتخلى عن ظلّها الإمبراطوري
استقلال إريتريا ليس “قصة ناقصة” في التاريخ الإثيوبي.
إنه   واقع محتوم

Hannibal Negash
Hannibal Negash
Hanibal Negash is an Eritrean author born after independence and shaped by the lived experience of the nation’s first three decades of sovereignty. His writing is rooted in a deep commitment to elevating Eritrean voices and strengthening an authentic national narrative. He approaches every subject with a clear sense of justice, human dignity and professional integrity. As a regular contributor to Setit Media, Hanibal brings thoughtful analysis and grounded storytelling that give space to Eritrean perspectives often overlooked elsewhere. His work reflects both the challenges and the resilience of the Eritrean people and aims to contribute to a stronger and more self-reliant national discourse.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

ابق على اتصال

11,864المشجعينمثل
1,105أتباعتابع
28,500المشتركينالاشتراك

أحدث المقالات