السبت, أغسطس 30, 2025

من يستفز من؟

مزاعم إثيوبيا ضد إرتريا تتناقض مع سجلها

تفتقر اتهامات إثيوبيا لإرتريا إلى المصداقية، عند مقارنتها vبسلوكها المزعزع للاستقرار

في رسالة حديثة إلى الأمين العام للأمم المتحدة وعدد من الدول الأعضاء، اتهمت وزارة الخارجية الإثيوبية إرتريا بـ”الاستفزازات المستمرة” ومحاولات مزعومة لغزو أراضيها. هذه المزاعم لا أساس لها من الصحة، وتتناقض بشدة مع سلوك إثيوبيا نفسه على مدار العامين الماضيين.

في عهد رئيس الوزراء آبي أحمد، انتهجت إثيوبيا أجندة إقليمية متزايدة العدوانية والمراجعة. ويشمل ذلك التحدي المباشرة للسيادة الإرترية، وتوقيع مذكرة تفاهم مثيرة للجدل مع أرض الصومال (وهي إقليم معترف به دوليا كجزء من الصومال)، وتصريحات متكررة تقوض شرعية حدود الحقبة الاستعمارية التي يعتمد عليها نظام الدولة في أفريقيا.

نمط من التصعيد والمراجعة

جادل كبار المسؤولين الإثيوبيين، بمن فيهم رئيس الوزراء آبي، بأن إثيوبيا “حُرمت ظلماً” من ميناء بحري. هذه الادعاءات، المُشبعة بمظالم تاريخية غامضة، تُشير إلى أن سيطرة إرتريا على موانئها، وخاصةً عصب، غير شرعية إلى حد ما. في أحد أكثر التصريحات إثارة للقلق، أعلن آبي أن إثيوبيا ستسعى للوصول إلى البحر الأحمر “سلمياً إن أمكن، وبأي وسيلة ضرورية إن لم يكن ذلك ممكنا”.

فُسِّر هذا الخطاب، المُغلف بالمظالم ولكنه يُوحي بالإكراه، على نطاق واسع على أنه تهديد ليس لإرتريا فحسب، بل لاستقرار المنطقة بأسرها. وهو يُشير إلى استعداده للتخلي عن الدبلوماسية لصالح القوة.

شكّلت مذكرة التفاهم مع أرض الصومال، المُوقّعة في يناير 2024، خطوة استفزازية للغاية. بمحاولتها تأمين منفذ بحري عبر منطقة لا تزال غير معترف بها دوليا كدولة ذات سيادة، تحدت إثيوبيا مبادئ الاتحاد الأفريقي بشكل مباشر، وأججت أحد أكثر النزاعات السيادية حساسية في أفريقيا. ولا يزال الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة ومعظم الدول الأعضاء يدافعون عن وحدة أراضي الصومال، وقد أدانوا هذه الخطوة باعتبارها انتهاكا للمواثيق الدولية.

تجاهل الحدود الاستعمارية

يعكس المسار الحالي لإثيوبيا رفضا مستمرا لاحترام حرمة الحدود الاستعمارية، وهو مبدأ أساسي من مبادئ الدولة الأفريقية بعد الاستقلال. وقد صُمم اعتماد الاتحاد الأفريقي لمبدأ الحيازة الجارية (uti possidetis juris) تحديدا، للحفاظ على الاستقرار من خلال التأكيد على الحدود الاستعمارية كأساس قانوني للدول الحديثة.

رُسِمَت حدود إرتريا المعترف بها دوليًا خلال الاستعمار الإيطالي، وأُعيد تأكيدها باستفتاء أشرفت عليه الأمم المتحدة عام 1993. ويُهدد تقويض هذه الحدود بتقويض الإطار القانوني الذي دعم السلام القاري منذ نهاية الاستعمار.

التوترات الإقليمية والتداعيات الدبلوماسية

أثار موقف إثيوبيا السافر، ردود فعل إقليمية عنيفة. ردّ رئيس جيبوتي، إسماعيل عمر جيله، بقوة، مُعلنا أن “جيبوتي ليست شبه جزيرة القرم”، في إشارة واضحة إلى ضم روسيا غير الشرعي لأراضٍ أوكرانية. ردّت الصومال بنفس القوة، فاستدعت سفيرها وحشدت الدعم الدولي لمواجهة مذكرة التفاهم الإثيوبية بشأن أرض الصومال.

أدى سلوك إثيوبيا الأحادي الجانب بشكل متزايد إلى عزلها دبلوماسيا في وقت تشتد فيه الحاجة إلى التعاون الإقليمي. فبدلا من أن تعمل إثيوبيا كقوة استقرار، تجد نفسها الآن موضع حذر متزايد من جيرانها وحلفائها التقليديين على حد سواء.

رد إرتريا المُتأنّي

على الرغم من الاستفزازات المتكررة، التزمت إرتريا بضبط النفس. ودافعت عن سيادتها دون إصدار تهديدات أو اللجوء إلى خطاب مُحرّض. لذا، فإن تصوير إثيوبيا لإرتريا على أنها المعتدي، هو تحريف للحقائق.

إذا كان لدى أي دولة في القرن الأفريقي مبررٌ لتقديم التماس إلى الأمين العام للأمم المتحدة، فهي إرتريا وجيرانها المشاطئة للبحر الأحمر والمحيط الهندي. باعتبارها دولا تتعرض سيادتها لتهديد خطابي واستراتيجي، وليست إثيوبيا بالطبع.

الوضوح القانوني والتاريخي

ترتكز حملة إثيوبيا على قراءة خاطئة للتاريخ. كان وصولها السابق إلى البحر نتيجة للاتحاد الفيدرالي مع إرتريا (1952-1962) والذي انتهكته عام 1962، مما دفع الشعب الإرتري لخوض نضال مرير بلغ غاياته عام 1991، وبالتالي لا يعتبر المطالبة بمنفذ بحري استحقاقا قانونيا، في حين أن استقلال إرتريا، الذي تحقق عبر عقود من الكفاح المسلح، وتم التأُكيد عليه عبر استفتاءٍ شعبي حر ونزيه، فقد حسم مسألة السيادة.

إن إعادة رسم الحدود بناءا على مظالم تاريخية مُتصوَّرة من شأنه أن يُقوّض التوافق الهشّ الذي تأسس بعد الاستعمار والذي حافظ على الوحدة الأفريقية. ويسعى هذا التوافق، المُتجذّر في المبادئ التأسيسية للاتحاد الأفريقي، إلى تجنّب تفاقم النزاعات الإقليمية التي قد تنشأ عن إعادة فتح المطالبات القديمة.

رسالة حكومية متناقضة

يزيد من الالتباس تناقض تصريحات الحكومة الإثيوبية نفسها. فمؤخرا، مثل وزير الخارجية نفسه، الذي أرسل الرسالة إلى الأمم المتحدة، أمام البرلمان الإثيوبي، مُعلنا أن إثيوبيا ليست في “حرب كلامية” مع إرتريا. كما أشار إلى أن الآراء التي عبّر عنها بعض المسؤولين الحاليين والسابقين، بمن فيهم كبار القادة العسكريين، لا تعكس الموقف الرسمي للحكومة.

يصعب التوفيق بين هذا الادعاء والتصريحات المتكررة لرئيس الوزراء ورئيس الأركان ووزير الدفاع. فهؤلاء ليسوا شخصيات هامشية، بل هم المحركون الرئيسيون للسياسة الإثيوبية. ولا يعكس ذلك تناقضا في الخطابات فحسب، بل ارتباكا استراتيجيا أوسع نطاقا.

سؤال للمجتمع الدولي

على المجتمع الدولي أن يقرر الآن: هل سيسمح لدولة واحدة بتحدي سلامة نظام الدولة في أفريقيا، تحت ستار الضرورة الاقتصادية؟ إن خطاب إثيوبيا وسلوكها يستدعيان التدقيق. إذا كان للمعايير العالمية المتعلقة بالسيادة والتعايش السلمي معنى، فيجب محاسبة إثيوبيا.

الخلاصة

تفتقر اتهامات إثيوبيا لإرتريا – مزاعم غامضة بوقوع حوادث حدودية واستفزازات عسكرية – إلى المصداقية عند مقارنتها بنمط سلوكها المزعزع للاستقرار. من مذكرة تفاهم أرض الصومال إلى التهديد باستخدام القوة، ومن تحدي الحدود الاستعمارية إلى العزلة الإقليمية، فإن هذا التوجه واضح لا لبس فيه.

يستحق القرن الأفريقي الاستقرار المبني على السلوك القانوني، لا على الطموحات التنقيحية. لا يمكن إعادة صياغة قواعد السيادة بالإكراه، مهما بلغت قوة المطالب أو عمق مظالمه التاريخية.

Translated By: Yousuf Boulisi

Suleiman A. Hussien
Suleiman A. Hussien
Suleiman A. Hussien is a prominent Eritrean politician and analyst based in London, UK. Specializing in the Horn of Africa and Middle Eastern affairs, he offers in-depth analysis on regional dynamics, political developments, and strategic insights. As a regular contributor to Setit Media, Suleiman shares his expert perspectives every Wednesday, providing valuable commentary on issues shaping the region.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

ابق على اتصال

11,921المشجعينمثل
1,012أتباعتابع
27,700المشتركينالاشتراك

أحدث المقالات