في سلسلة من المقابلات الأخيرة التي بثها التلفزيون الحكومي الإثيوبي، أعرب رئيس الوزراء آبي أحمد مجددا عن أسفه لما أسماه “فقدان” إثيوبيا لميناء بحري. بصفتي إرتريا، أجد من الضروري الرد على هذه الرواية – ليس لأنها جديدة، بل لأنها تُكرر بإصرار متزايد، مما يهدد بإعادة تشكيل النظرة العامة وربما زعزعة استقرار القرن الأفريقي.
يُعد التعاون والتكامل الإقليميان أساسيين للسلام والتنمية. لكن رواية رئيس الوزراء الإثيوبي لا تتعلق بالتعاون؛ بل تتعلق بتشويه التاريخ والطموح الإقليمي. والأسوأ من ذلك، أنها تبدو وكأنها تعكس أجندات تُمليها المصالح الأجنبية بدلا من الأولويات المحلية الحقيقية. وقد كان هذا عيبا متكررا في القيادة الإثيوبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
إثيوبيا لم تمتلك ميناءا بحريا قط
على الرغم من الادعاءات المتكررة، لم تمتلك إثيوبيا ميناءا بحريا قانونيا قط. خلال الاتحاد الفيدرالي الذي فرضته الأمم المتحدة مع إرتريا عام 1952، حصلت إثيوبيا على حق الوصول إلى مينائي مصوع وعصب. لكن هذا الوصول جاء من خلال ترتيب اتحادي، وليس من خلال الملكية. عندما حلت إثيوبيا الاتحاد من جانب واحد عام 1962 وضمت إرتريا، انتهكت القانون الدولي – وتحديدا قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 390(أ) لعام 1952، الذي أسس الاتحاد.
إرتريا، التي كانت كيانا استعماريا قائما بذاته تحت الحكم الإيطالي، خاضت حربا استمرت 30 عاما لعكس هذا الضم غير القانوني. انتهت تلك الحرب عام 1991، وتم تأكيد استقلال إرتريا رسميا في استفتاء عام 1993 أشرفت عليه الأمم المتحدة، حيث اختار 99.8٪ من الناخبين السيادة. رُسمت حدود إرتريا وفقا للمعاهدات الاستعمارية – وهي المعيار القانوني المعترف به للحدود الإقليمية في أفريقيا.
الغموض كاستراتيجية
يزعم رئيس الوزراء آبي أحمد أن إثيوبيا ستسعى للوصول إلى ميناء بحري عبر “وسائل سلمية وقانونية”. إلا أنه لم يوضح قط ماهية هذه الوسائل القانونية. هل هي من خلال المفاوضات الثنائية، أم اتفاقيات التجارة الإقليمية، أم ترتيبات التأجير، أم شيء أكثر إكراها، مُقنّعا بلغة الدبلوماسية؟
يثير هذا الغموض المتعمد مخاوف جدية. فهو يطمس الخط الفاصل بين النوايا السلمية والتهديدات المُبطّنة. ويعكس رفضا أعمق لقبول الحدود المعترف بها دوليا والحقوق السيادية للدول المجاورة.
سابقة لا يمكن لأفريقيا تحملها
إن ادعاء”حرمان” إثيوبيا “ظلمًا” من ميناء بحري، تُشكّل سابقة خطيرة. فإذا استُخدمت المظالم التاريخية – وخاصة تلك المتجذرة في السيطرة الإمبريالية أو الاستعمارية – لتبرير المطالبات الإقليمية الحديثة، فإن حدود كل دولة أفريقية معرضة للخطر. ولهذا السبب تحديدا، يُحافظ الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والهيئات الدولية الأخرى على حرمة الحدود المرسومة عند الاستقلال.
آخر مرة سلكت فيها إثيوبيا هذا المسار، قادها ذلك إلى الحرب والهزيمة. لم “تنفصل” إرتريا كما تدّعي بعض النخب الإثيوبية؛ بل استعادت سيادتها من خلال كفاح تحرري مشروع. هذا الواقع لا يمكن محوه أو تعديله.
الطريق إلى الأمام: الشراكة، لا الاستفزاز
لا تحتاج إثيوبيا إلى اختلاق مظالم بشأن الموانئ البحرية. بل ينبغي لها بدلا عن ذلك، السعي للوصول إليها من خلال التجارة والاستثمار والتواصل الدبلوماسي. لإرتريا والدول الساحلية الأخرى مصلحة مشتركة في الاستقرار الإقليمي والتكامل الاقتصادي. لكن هذا التعاون يجب أن يقوم على الاحترام المتبادل، لا على مراجعة التاريخ أو الضغط الجيوسياسي.
الخلاصة
إرتريا دولة ذات سيادة، معترف بها دوليا، ولها حدود قانونية راسخة. لا يوجد إطار قانوني، ولا أي مبرر أخلاقي، يمكن أن يُجبرها على التنازل عن أراضٍ، بما في ذلك موانئها البحرية. إن محاولة القيام بذلك من خلال تصويره على أنه ظلم تاريخي لا تضلل الرأي العام الإثيوبي فحسب، بل تُخاطر أيضا بإشعال الصراع في منطقة هشة.
يجب أن نسترشد بالتاريخ، لا أن نُستغل لخدمة أجندات سياسية. إذا كانت إثيوبيا جادة في السلام والتقدم، فعليها التخلي عن أسطورة “الميناء المفقود” وتبني دبلوماسية قائمة على الحقائق والاحترام. القرن الأفريقي يستحق الاستقرار، لا فصلا آخر من المواجهات التي يمكن تجنبها.